ابن كثير

10

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

مرسل ، ورواه غير النضر على الصواب . وقد رواه النسائي أيضا وأبو داود عن الحسين بن حريث ، أخبرنا الفضل بن موسى ، أخبرنا الحسين بن واقد عن عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة ، عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم فذكره وهذا الإسناد جيد . وقد اختلف الناس في هذا الحديث ما بين مضعف له كما تقدم عن النسائي ، ومنكر كما قال الإمام أحمد : هو حديث منكر ، وقال ابن قتيبة : إنما أراد أنها سخية لا تمنع سائلا ، وحكاه النسائي في سننه عن بعضهم فقال وقيل : سخية تعطي ، ورد هذا بأن لو كان المراد لقال : لا تردّ يد ملتمس ، وقيل المراد أن سجيتها لا ترديد لامس لا أن المراد أن هذا واقع منها وأنها تفعل الفاحشة ، فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يأذن في مصاحبة من هذه صفتها ، فإن زوجها والحالة هذه يكون ديوثا ، وقد تقدم الوعيد على ذلك ، ولكن لما كانت سجيتها هكذا ليس فيها ممانعة ولا مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد ، أمره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بفراقها ، فلما ذكر أنه يحبها أباح له البقاء معها لأن محبته لها محققة ووقوع الفاحشة منها متوهم فلا يصار إلى الضرر العاجل لتوهم الآجل ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . قالوا فأما إذا حصلت توبة فإنه يحل التزويج ، كما قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم رحمه اللّه : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد عن ابن أبي ذئب قال : سمعت شعبة مولى ابن عباس رضي اللّه عنه قال : سمعت ابن عباس وسأله رجل فقال : إني كنت ألم بامرأة آتي منها ما حرم اللّه عز وجل علي ، فرزقني اللّه عز وجل من ذلك توبة ، فأردت أن أتزوجها ، فقال أناس : إن الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ، فقال ابن عباس : ليس هذا في هذا ، انكحها فما كان من إثم فعلي ، وقد ادعى طائفة آخرون من العلماء أن هذه الآية منسوخة ، قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب قال : ذكر عنده الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ قال : كان يقال نسختها التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ قال : كان يقال الأيامى من المسلمين ، وهكذا رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ له عن سعيد بن المسيب ، ونص على ذلك أيضا الإمام أبو عبد اللّه محمد بن إدريس الشافعي . [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 4 إلى 5 ] وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 4 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) هذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة ، وهي الحرة البالغة العفيفة ، فإذا كان المقذوف رجلا فكذلك يجلد قاذفه أيضا ، وليس في هذا نزاع بين العلماء ، فإن أقام القاذف بينة على صحة ما قاله درأ عنه الحد ، ولهذا قال تعالى : ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ فأوجب على القاذف ، إذا لم يقم